فخر الدين الرازي

84

شرح عيون الحكمة

وأبعاد ممتدة في جميع الجهات . وهذا محال ، فالقول بحصول الخلاء خارج العالم محال . أما المقدمة الأولى وهي قولنا : انه لو حصل الخلاء ، لكان موجودا له مقدار وامتداد في الجهات ، فيدل على صحتها وجوه : الأول : انا نعلم بالبديهة : أن الخلاء الذي يكون بمقدار ذراع ، نصف الخلاء الذي يكون بمقدار ذراعين ، وثلث ما يكون بمقدار ثلاثة أذرع . وكل ما له نصف وثلث وربع ، يكون ممسوحا بمقدار ( وكل ما كان ممسوحا بمقدار ) فإنه لا يكون نفيا محضا وعدما صرفا . فان من المعلوم بالبديهة : أن العدم المحض لا يكون له نصف وثلث وربع ، ولا يكون موصوفا بالأقل والأكثر والزائد والناقص والمساحة والتقدير . والثاني : ان الخلاء يمكن الإشارة الحسية اليه . فقال : الخلاء من هاهنا إلى هناك ، طوله كذا وكذا . وكل ما كان متعلق الإشارة الحسية اليه ، امتنع أن يكون عدما محضا ، ونفيا صرفا . وأيضا : فقولنا : من هاهنا إلى هناك ، إشارة إلى المقدار والطول . وهذا حكم عليه بكونه موجودا له مقدار وامتداد . والثالث : ان الخلاء قد يحكم عليه بأنه حصل الجسم فيه . ثم يقال : خرج الجسم عنه وانتقل إلى خلاء آخر . والخلاء المحكوم عليه بكونه مقرا للجسم وبان الجسم قد حصل فيه تارة ، وانتقل عنه إلى خلاء آخر . ذلك لا يعقل في العدم المحض والنفي الصرف . فان حصول الجسم في العدم المحض ، وانتقاله من عدم إلى عدم آخر ، غير معقول . والرابع : هو أنا إذا قلنا : الخلاء ( هو ) الذي من هاهنا إلى هناك فقولنا هاهنا وهناك ، إشارة إلى فصل مشترك بينه وبين الخلاء الذي يكون خارجا عنه . كما إذا قلنا : هذا السطح من هاهنا إلى هناك . فان قولنا هاهنا وهناك ، إشارة إلى فصل مشترك بين هذا السطح وبين السطح الخارج عنه ، المتصل به . فكما أن ايقاع الفصل المشترك في السطح يدل قطعا على كون ذلك السطح امرا موجودا ، فكذلك ايقاع الفصل